تسمية 1

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

أرض العظايا




أرض العظايا





يحكي د. أحمد خالد توفيق في أحد رواياته عن أحد العوالم الموازية الذي قام فيه الجنس الأبيض بعمل إبادة جماعية لجميع الأجناس الأخرى غير البيضاء من عرب وهنود وآسيويين وأفارقة وهنود حمر وأستراليين أصليين، حتى لم يتبق من هذه الأجناس إلا عينات صغيرة يتم عرضها في متحف كبير للزوار والسائحين.
وتدور أحداث هذه الرواية المسماة (أسطورة أرض العظايا) حول سالم وسلمى اللذين يهبطان على هذه الأرض من خلال أحد بوابات العوالم المتوازية، ويتم القبض عليهما بواسطة القوات العسكرية المكلفة بحراسة المحمية الطبيعية التي يحتفظون فيها ببقايا الأجناس البشرية الموشكة على الانقراض، لكنهما ينجحان في الهرب منهم، ويلتقيان ببعض الثوار العرب. وعن طريق هؤلاء الثوار يتعرف سالم وسلمى على الواقع الأليم!!
***
هتفت (سلمى) بصوت مبحوح:
- " (سالم) .. هل فهمت ما هي العظايا المنقرضة؟ إننا لا نتكلم نفس اللغة! إن العظايا هي نحن!"[1]
***
- "يمكن القول إننا استبقينا بعض الأجناس بهدف علمي بحت .. لكن خطتنا مستمرة لجعل كل شيء تحت السيطرة .."[2]
***
قال (جمشيد) وهو يرشف القهوة العربية:
- "إنهم يحاولون إبادتنا بالكامل .. بعدما انتصروا علينا وسادوا البر والبحر والسماء، يحاولون أن يزيلونا من على وجه الأرض ..
"كانت هناك شعوب عدة في الشرق .. العرب .. الهنود .. بالإضافة إلى بعض الشعوب الصغيرة مثل تلك الموجودة في قلب أفريقيا وأجزاء من أستراليا .. وكان الصدام الحضاري قاسيًا وصل درجة الحروب في أوقات ما ..
"لم يكن الغربيون ممن يهتمون بالحياة البشرية إلى هذا الحد .. إن إبادة الهنود الحمر بالرصاص أو التجويع أو حتى البطاطين الملوثة بالجدري لأمر لا ينكره التاريخ .. وقد جاء الدور علينا .. لا بد من استئصال الشعوب التي لم يعد لها أهمية ..
"استغرقت حملات الإبادة مائة عام .. والنتيجة أننا كدنا نزول بالفعل .. هنا يبرز الجانب الإنساني المنافق لهؤلاء القوم .. إنهم يبيدوننا بيد ويقدمون لنا العون بيد أخرى .. ليس الغرض هو الحفاظ على أرواحنا ولكن الحفاظ على جزء مهم من تاريخ هذه الأرض .. نحن كنز ثقافي علمي لا بد من إبقائه ..
"وهكذا تكونت الـESF وهي هيئة علمية شبه عسكرية، تعمل على الحفاظ على ما تبقى من آثار تلك الشعوب التي بادت أو كادت .. ثمة متحف –زرتماه أمس– يضم ما بقي من عينات بشرية حية أو ميتة .. هياكل .. أدوات كنا نستعملها .. إلخ .. وهم يجمعون أي عظام في الصحراء باعتبارها كنزًا ثمينًا يزداد قيمةً يومًا بعد يوم ..
قاموا بجمع كل الآثار في مكان واحد كما رأيتما لتسهل زيارتها وصيانتها .. وهم يطلقون لفظ (العظايا) على كل شيء يحاولون الحفاظ عليه .. بدءًا بعظام الديناصور وانتهاء بعظامنا نحن .."[3]
***
قلت في غيظ:
- "هذا مهين حقًا يا (جمشيد) .. توضعون في المتحف وتنظم الزيارات لرؤيتكم .."[4]
***
على الشاشة كان هناك مجموعة من السادة يبدو عليهم الهم مع الكثير من الجدية ..
قلت لـ(جمشيد):
- "إنهم قلقون بصدد وجود مجموعات إرهابية في المنطقة الغربية من الشمال الأفريقي .."
قال ضاحكًا:
- "هم دائمًا قلقون .. منذ مائة عام وهم قلقون .. أحرقوا أطفالنا وقرانا ومساجدنا وما زالوا قلقين .. يملكون الطائرات والقنابل النووية والهيدروجينية والنيوترونية والأيونية وما زالوا قلقين .. عروا نساءنا واقتحموا ديارنا وما زالوا قلقين .. لا أعرف كيف نطمئنهم على أنه لا خطر منا!"[5]
***
قد تعجب عزيزي القاريء إن علمت أن هذا المصير المؤلم قد تنبأ به تشارلز داروين في كتابه (أصل الإنسان The Descent of Man):
((في نقطة ما من المستقبل ليست بعيدة بمقياس القرون، ستقوم الأجناس البشرية المتحضرة بكل تأكيد بإبادة وإحلال الأجناس المتوحشة على مستوى العالم .. المسافة حينئذ بين الإنسان وأقرب حلفائه ستكون أوسع لأنها ستقع بين الإنسان في أقصى حالات تحضره –كما نأمل– أكثر من القوقازي الأبيض وبين أحد القردة الدنيا كالبابون بدلاً من أن تكون بين الزنجي أو الاسترالي الأصلي والغوريللا))[6].
فلا شك أن داروين تنبأ كنتيجة طبيعية لنظريته أن البيض الذين اعتبرهم الجنس الأرقى سيقومون بإبادة السود الذي اعتبرهم الجنس الأدنى. دعونا نتذكر سويًا الاسم الكامل لكتاب داروين (أصل الأنواع): عن أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي أو الحفاظ على الأجناس الأفضل في صراع الحياة. الأجناس الأفضل؟ هذا بالطبع يشير إلى أجناس أرقي؟ وبالتالي إلى وجود أجناس أدنى؟ وحسب نظرية داروين فإن مصير الأجناس الأدنى هو الفناء والهلاك. هو لم يكن مبتهجًا بهذا في حقيقة الأمر، لكنه كان يراه على أنه النتيجة المرتقبة المتوقعة لنظريته.

داروين نفسه يشير إلى تاريخ الحياة على أنه "معركة الحياة العظيمة" و"حرب الطبيعة"، يقول: ((من قلب حرب الطبيعة ومن المجاعة والموت نشأ مباشرة أعظم شيء يمكن إدراكه، إلا هو نشوء الحيوانات العليا))[7]. يعتبر صراع الكائنات من أجل البقاء من المحاور المركزية في نظرية داروين حيث تكمن في هذا الصراع القدرة على إبداع الكائنات الحية. فرغم كل شرور الانتخاب الطبيعي فهذه الشرور كلها مبررة لبلوغ الخير الأكبر ألا وهو السعي المستمر نحو إحراز الكمال، يقول داروين: ((بينما يعمل الانتخاب الطبيعي فقط عن طريق ولأجل مصلحة كل كائن، فإن كل الهبات العقلية والبدنية سوف تميل للتقدم نحو الكمال))[8]، وهكذا تكتمل الصورة ليتم تأليه التطور وتقديس الانتخاب الطبيعي، من المؤسف حقًا أن يؤدي الانتخاب الطبيعي إلى هذه الشرور، لكن هذه الشرور كلها مبررة لأجل الهدف الأسمى وهو التطور والترقي نحو الكمال، هناك فعلاً عظمة في هذه النظرة للحياة كما يقول داروين[9] وأتباعه[10]! وهذا هو سر العظمة، عظمة التطور. وكما يقول الإنجليز: لكي تصنع طبقًا من البيض الأومليت أنت بحاجة إلى كسر بعض البيض، والتطور يعرف بالضبط كيف يكسر البيض!



[1] د. أحمد خالد توفيق، أسطورة أرض العظايا، سلسلة ما وراء الطبيعة، العدد رقم 58، روايات مصرية للجيب، ص89
[2] المصدر السابق ص92
[3] المصدر السابق ص102-107 باختصار
[4] المصدر السابق ص108
[5] المصدر السابق ص120-121 ونحن ننصح بقراءة الرواية كاملة لفهم سياق هذه المقاطع الخاطفة منها
[6] Darwin, Descent of Man, p. 156
[7]  Charles Darwin, On the Origin of Species, facsimile 1st ed. (1859; reprinted Cambridge: Harvard University Press, 1964), p. 490
[8] Darwin, Origin of Species, p. 489
[9]  Ibid., p. 490
[10] ريتشارد دوكينز، أعظم استعراض فوق الأرض، ترجمة: مصطفى إبراهيم فهمي، المركز القومي للترجمة، ج2 ص279

ليست هناك تعليقات :

تسمية 2

تسمية 3

تسمية 4