تسمية 1

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

صدق النبي صلى الله عليه وسلم أحد دلائل النبوة

بسم الله الرحمن الرحيم

لم أجد في الكتب التي تتناول دلائل النبوة أحد اعتنى بهذا الدليل وقرره أعظم تقرير وفصّل فيه إلا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شرح العقيدة الأصفهانية ، وكذلك على نحو فيه اقتضاب واختصار في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح .

قال شيخ الإسلام في شرح الأصفهانية : (( ومعلوم أن مدعى الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم .
ولهذا قال أحد أكابر ثقيف للنبي صلى الله عليه وسلم لما بلغهم الرسالة ودعاهم إلى الإسلام : "والله لا أقول لك كلمة واحدة إن كنت صادقا فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك وإن كنت كاذبا فأنت أحقر من أن أرد عليك ".
فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم ؟ ))


وهذا حق ، فمدعي النبوة إما أن يكون صادقًا فهو إذًا نبي موحى به من الله تعالى ، وهو خير الناس وأكملهم .

وإما أن يكون كاذبًا على الله تعالى ، وهو أبشع الكذب وأرذله ، فهو إذًا أحقر الناس وأرذلهم .

وهذا البون الشاسع بين النبي الصادق والكذاب المنحط الأشر أكبر من ألا يميزه عامة الناس ، فضلاً عن نجبائهم وحكمائهم .

ألا يستطيع عامة الناس أن يميزوا بين النبي الحقيقي الصادق وبين الذي يكذب على الله فينحط إلى أدنى درجات الكذب ؟!

هذا فرق كبير جدًا يصعب ألا يخطئه أحد .

فكيف يشتبه أفضل الخق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم ؟

وكيف يكون من الصعب التمييز بينهما وهما على طرفي نقيض ؟

قال شيخ الإسلام : (( وإذا كان صدق المخبر أو كذبه يعلم بما يقترن به من القرائن بل في لحن قوله وصفحات وجهه ويحصل بذلك علم ضروري لا يمكن المرء أن يدفعه عن نفسه فكيف بدعوى المدعي إنه رسول الله كيف يخفي صدقه وكذبه أم كيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الأدلة لا تعد ولا تحصى )) .

صدق شيخ الإسلام ، فمعرفة كون المرء صادقًا أو كاذبًا يتبين في وجوه كثيرة من خلقه وعادته بطول المعاشرة له والخبرة به .

فالإنسان إن كان متحريًا للصدق عرف ذلك منه .

وإن كان يكذب أحيانًا لغرض من الأغراض ، فلابد أن يعرف ذلك منه .

وهذا أمر جرت به العادات ، فلا تجد أحدًا بين طائفة من الطوائف ، طالت مباشرتهم له إلا وهم يعرفونه هل يكذب أم لا .

فمن خبر شخصًا خبرة باطنة فإنه يعلم من عاداته علمًا راسخًا أنه لا يكذب ، لا سيما في الأمور العظام .

ومن كان خبيرًا بحال النبي صلى الله عليه وسلم مثل زوجته خديجة وصديقه أبي بكر ، إذا أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما رآه أو سمعه ، حصل له علم ضروري بأنه صادق في ذلك وليس كاذبًا .

قال شيخ الإسلام : (( والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة حتى في المدعين للصناعات والمقالات كالفلاحة والنساجة والكتابة وعلم النحو والطب والفقه وغير ذلك فما من أحد يدعي العلم بصناعة أو مقالة إلا والتفريق في ذلك بين الصادق والكاذب له وجوه كثيرة وكذلك من أظهر قصدا وعملا كمن يظهر الديانة والأمانة والنصيحة والمحبة وأمثال ذلك من الأخلاق فإنه لا بد أن يتبين صدقه وكذبه من وجوه متعددة )) .

وقال : (( وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن لـه أدنى تمييز وما من أحد ادعى النبوة من الصادقين إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز فإن الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور ولا بد أن يفعل أمورا والكذاب يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه وما يفعله ما يبين به كذبه من وجوه كثيرة والصادق يظهر في نفس ما يأمر به وما يخبر عنه ويفعله ما يظهر به صدقه من وجوه كثيرة بل كل شخصين ادعيا أمرا من الأمور أحدهما صادق في دعواه والآخر كاذب فلا بد أن يبين صدق هذا وكذب هذا من وجوه كثيرة إذ الصدق مستلزم للبر والكذب مستلزم للفجور )) .

وهذا كلام نفيس ، لابد أن يتدبره كل من له تمييز .

ونحن لا ننكر أن الرجل قد يتغير ، ويصير متعمدًا للكذب بعد أن لم يكن كذلك .

لكن هذا إن وقع ، ظهر لمن يخبره ويطلع على أموره .

ونحن نعلم علمًا ضروريًا أن كل من باشر النبي صلى الله عليه وسلم وخبره خبرة باطنة واطلع على أموره قد دخل في الإسلام وآمن به .

وفي حديث هرقل أنه سأل أبا سفيان : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟
فقالوا : لا ، ما جربنا عليه كذبًا .
قال هرقل : فقد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ، ثم يذهب فيكذب على الله .

وقد صدق هرقل !

وذلك أن مثل هذا يكون كذبًا محضًا لغير عادة جرت ، وهذا لا يفعله إلا من يكون من شأنه وعادته الكذب .

فإن لم يكن من خلقه الكذب قطٌ ، بل لم يعرف منه إلا الصدق ، وهو يتورع أن يكذب على الناس ، كان تورعه عن أن يكذب على الله أولى وأحق .

والإنسان قد يخرج عن عادته في نفسه إلى عادة بني جنسه ، فإذا انتفى هذا وهذا ، كان هذا أبعد عن الكذب وأقرب إلى الصدق .

وهذا هو أول دلائل نبوة نبينا وسيدنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد علمنا من سيرته أنه لم يكن كاذبًا أو مدعيًا .

فالكاذب لا يقول لصاحبه في الغار بثقة وثبات : لا تحزن إن الله معنا .

ولا يقف وحيدًا على بغلته في وجه جيش العدو الهادر عندما فر جيشه ليهتف بأعلى صوته : أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب .

لا يفعل هذا كذاب أبدًا !

ومن اهتم بهذا الدليل وجعله دليله الأول على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يدخل الشك في قلبه أبدًا إن شاء الله .

فقد آمنت خديجة رضي الله عنها بناءًا على هذا الدليل وحده .

وكذلك أبو بكر رضي الله عنه .

أفلا ترضى أن يكون إيمانك كإيمان أبي بكر وخديجة ؟

والحمد لله رب العالمين .

هناك تعليقان (2) :

  1. بارك الله فيك، جميل جدا.
    لكن بعض الملاحدة يستعملون هذا الدليل ضد الإسلام فيقولون ما بال أبو طالب لم يسلم و هو أقرب الناس لرسول الله صلى الله عليه و سلم؟
    فالتصديق إذن هو غير الإتباع، فقد يكون عند أحدنا تصديق جازم لكن أنى لنا إيمان كإيمان خديجة و أبي بكر رضي الله عنهما؟!

    ردحذف
    الردود
    1. جزاك الله خيرا يا أخي على الإفادة والتعقيب ، كفر أبي طالب كان لوجود موانع صرفته عن الإيمان رغم الدواعي لذلك ، وهي تمسكه بدين آبائه واجداده وتقاليدهم الوثنية ، وكان يرى أن ترك هذه التقاليد من العار ، لكنه لم ينكر على ابن اخيه وحماه ورعاه ودافع عنه وعن دعوته كأفضل ما يكون

      حذف

تسمية 2

تسمية 3

تسمية 4